المسؤولية الاجتماعية ضرورة حياة

تعد المسئولية الاجتماعية واحدةً من دعائم الحياة المجتمعية الضرورية، فهي سبيل التقدم الفردي والاجتماعي، بل إن القيمة الحقيقية للفرد في مجتمعه تقاس بمدى تحمله المسئولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين، ولذلك لا بد من العمل على بث الوعي بأهميتها ووضع البرامج الكفيلة بترسيخها لدى الأفراد والمؤسسات.

وفي هذا الإطار، انطلقت الأربعاء الماضي، فعاليات ملتقى المسؤولية الاجتماعية والذي تنظمه الجمعية الخيرية لرعاية المرضى وذويهم “ترابط”، برعاية الأمير سعود بن نايف أمير المنطقة الشرقية، ويستمر الملتقى ليومين تطرح فيهما محاور علمية في مفهوم المسؤولية الاجتماعية، ومشاركة القطاع الشرعي ومناقشة الجوانب التي تتعلق بالمسؤولية الاجتماعية، وحث الشريعة عليها ومساهمتها في تنمية المجتمع، والتنويه بدور رجال الأعمال، والتطرق إلى مدى إسهامات القيادات الفكرية في المسؤولية الاجتماعية.

الحق أن في مجتمعنا من رجال الأعمال ما نشهد بدورهم المعطاء والمؤسسي في خدمة مجتمعهم، فلهم الشكر والجزاء الأوفى من الله تعالى وهي محاور على قدر كبير من الأهمية، وتسهم في مشروع إعداد وتنشئة المواطن المسئول، الذي يُدرك دوره كإنسان تجاه نفسه وتجاه نمو وتطور مناشط الحياة في مجتمعه، وهي جوهر مفهوم المسئولية الاجتماعية.

إن المسئولية الاجتماعية تعني التزام الفرد بالقواعد الاجتماعية وتوقعات الدور، وتوجد هذه القواعد بمقتضى الأدوار الاجتماعية التي تحدد القواعد للاشتراك في الجماعة. وهي تنشأ بناء على إدراك ويقظة الفرد ووعي ضميره وسلوكه للواجب الشخصي والاجتماعي، ويمثل إحساس الفرد بمسئوليته في الرعاية الاجتماعية ركنا أصيلا في مفهوم المسئولية الاجتماعية، وقد دعا إليها الإسلام على لسان رسوله (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه عنه عبدالله بن عمر حيث يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسئولٌ عن رعيته).

وهذا يثبت سبق الإسلام في الدعوة إلى هذا المفهوم الذي لم يظهر في الفكر الغربي إلا حديثاً.

لقد صاغ الإسلام الشعور المشترك في المجتمع، بقول نبيه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد: إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». وصوّر التماسك المجتمعي بقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً).

وإذا كان المجتمع بكل مؤسساته وقطاعاته وأفراده مطالب بتحمل نصيبهم من هذه المسئولية، فإن أكثر الكتابات المهتمة بهذا الشأن تعتبر أن أهم القطاعات التي يتوقع منها الكثير في الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية، قطاع الشركات والمنشآت التجارية، فدورها لا ينحصر في استغلال الموارد المتاحة لها بما يخدم أهدافها الاقتصادية فقط، بل إن مسؤوليتها تمتد إلى مواجهة الحاجات الاجتماعية، وهو دور يتجاوز حدود الشركة وعامِلِيها إلى المجتمع والتأثير فيه، وهو في حقيقته التزام أخلاقي واعتراف بفضل المجتمع عليها في الرفاهية التي وصلت إليها.

ومن الأمثلة الخالدة في تاريخنا الذي يمثل جانبا من المشاركة في مسئولية التجار تجاه مجتمعهم، ما فعله عثمان بن عفان (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كما ورد في صحيح البخاري، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ). وفي صحيح البخاري بَاب مَنَاقِبِ عُثْمَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَنْ يَحْفِرْ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَحَفَرَهَا عُثْمَانُ، وَقَالَ: مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَجَهَّزَهُ عُثْمَانُ…).

ويبدو أن بئر رومة كانت أولاً عيناً، وحفر فيها عثمان (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) بئراً، أو لعل العين كانت تجري إلى بئر فوسعها أو طواها فنسب حفرها إليه.

والحق أن في مجتمعنا من رجال الأعمال ما نشهد بدورهم المعطاء والمؤسسي في خدمة مجتمعهم، فلهم الشكر والجزاء الأوفى من الله تعالى، ولا نزال نرقب اتساع دائرة المشاركة من غيرهم.

وإليهم وإليكم – أعزائي القراء – أهدي هذا البيان النبوي، لنقرأ من خلاله مراتب الأعمال وقيمتها في منظور الإسلام: يقول الرسول (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله (عز وجل)، سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة، أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل).

د. عادل غنيم

  • السيرة الذاتية

    * الدكتوراه في الدراسات الإسلامية – التفسير وعلوم القرآن- النظم القرآني – * أستاذ مشارك في قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة الدمام

Save

Save

Alnahj © 2016 AL NAHJ