المسؤولية المجتمعية في ضوء المواصفة العالمية ISO26000

م. عوض سالم الحربي

يشهد العالم أجمع منذ عدة أعوام اهتماما متصاعدا وحراكا متزايدا في موضوع المسؤولية الاجتماعية, خصوصاً في ظل تكاثر الأزمات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية وضخامتها وتأثيراتها الكارثية في الكرة الأرضية وسكانها. وأصبح هذا المصطلح يكتسب زخماً دولياً، ولهذا ظهرت الحاجة إلى وجود منظومة متكاملة في هذا المجال يمكن من خلالها بناء تنمية مستدامة لا تحتمل التأجيل تضمن للمجتمعات البشرية الصحة والرخاء والعيش في هناء.

ومنظمة التقييس العالمية International organization for standardization هي منظمة لا ربحية مقرها في جنيف تأسست عام 1947، قدمت وما زالت تقدم للإنسانية كثيرا من الأنظمة والمعايير العالمية في الإدارة والصحة والسلامة والغذاء وأنظمة المعلومات وغيرها، قد بادرت بإعداد أول مواصفة عالمية في المسؤولية المجتمعية تحت اسم المواصفة العالمية للمسؤولية المجتمعية ISO26000 التي لا تزال بصورة مسودة غير نهائية، لكنها آخر مرحلة من مراحل التصويت, حيث كانت نتيجة التصويت الإيجابية في المرحلة ما قبل الأخيرة في منتصف شباط (فبراير) الماضي, حيث وافقت عليها 79 في المائة من الدول الأعضاء في المنظمة. وفي هذا المقال أقدم للقارئ العزيز خلاصة قيِّمة ـ بإذن الله ـ عن هذه المواصفة من خلال ما يلي:

أولاً: أهمية المسؤولية المجتمعية وفوائد المواصفة العالمية وخصائصها العامة.

ثانياً: جولة تاريخية بشأن إعداد المواصفة.

ثالثاً: بنود المواصفة.

أولاً: أهمية المسؤولية المجتمعية وفوائد المواصفة العالمية وخصائصها العامة.

إن الهدف الرئيس من المسؤولية المجتمعية هو المساهمة في التنمية المستدامة التي تهدف إلى القضاء على الفقر، وإلى توفير الصحة للجميع، والعدالة المجتمعية، ومقابلة احتياجات المجتمع من خلال العيش في الحدود البيئية للكوكب باستخدام الموارد الحالية دون المساس باحتياجات الأجيال المستقبلية. وترتكز على ثلاثة جوانب هي:

أ‌- دعم النمو الاقتصادي.

ب‌- تحقيق التقدم الاجتماعي.

ت‌- الإسهام في حماية البيئة.

ويمكن للمنظمة تحقيق عديد من الفوائد المهمة عند تبنيها مجالات المسؤولية المجتمعية من أهمها ما يلي:

– تشجيع جعل عملية اتخاذ القرارات على أساس فهم متطور لتطلعات المجتمع، والفرص المرتبطة بالمسؤولية المجتمعية.

– تعزيز سمعة المنظمة وتشجيع ثقة أكبر للجمهور بتعزيز أداء نتائج المنظمات وتحسينه.

– تحسين وتنظيم العلاقة مع الأطراف المعنية.

– تعزيز ولاء الموظفين وروحهم المعنوية، وتحسين سلامة وصحة العاملين والاهتمام بحقوقهم المختلفة.

– تحسين اعتمادية ونزاهة التعاملات من خلال المشاركة السياسية المسؤولة، والمنافسة العادلة، وانعدام الفساد.

– المنع أو الحد من الصراعات المحتملة مع المستهلكين بشأن المنتجات أو الخدمات.

– المساهمة في حيوية المنظمة على المدى الطويل عن طريق تعزيز استدامة الموارد الطبيعية والخدمات البيئية.

– المساهمة في المصلحة العامة، وتعزيز المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية.

وبالتالي, فإن المواصفة الدولية تقدم دليلا إرشادياً لجميع أنواع المنشآت فيما يلي:

– مساعدة المنظمات في تحديد مسؤولياتها المجتمعية وتعزيز ممارساتها وتطبيقاتها.

– تقديم دليل عملي لتطبيق مجالات المسؤولية المجتمعية، وتعزيز مصداقية التقارير والادعاءات التي تصدرها المنظمات في هذا الشأن.

– توافق المنظمات واتساقها مع القوانين والتشريعات المحلية والدولية والفنية.

– نشر مفاهيم ومصطلحات المسؤولية المجتمعية وتوسيع دائرة الاهتمام والوعي بها.

هذا وإن المواصفة الدولية تتمتع بالخصائص العامة التالية:

* المواصفة تستخدم كدليل إرشادي اختياري حول المسؤولية المجتمعية ولا يقصد منها الإلزام والاعتماد، فليس لها شهادة معتمدة كبقية المواصفات القياسية، فالمواصفة تقدم العلم والتوجيه ولا تقدم الشهادة.

* لا يقصد من المواصفة أن تكون دليلاً على نشأة قانون دولي جديد متعارف عليه، وإن كان لا يلزم امتناع ذلك مستقبلاً.

* لا يمكن للمواصفة الدولية بشكل من الأشكال أن تحل محل مسؤولية الدولة أو تغيرها، بل إنها تحث على احترامها واحترام المواثيق الدولية المتعارف عليها عالمياً.

* وللمعلومية فقد تم تغيير المصطلح الذي كان متعارفاً عليه سابقاً المسؤولية الاجتماعية للشركات CSR Corporate Social Responsibility إلى مصطلح المسؤولية المجتمعية، فهي تتعلق بجميع المنشآت على مختلف وجهاتها وليست فقط المنشآت ذات الصبغة التجارية.

ثانياً: جولة تاريخية بشأن إعداد المواصفة

تم إعداد هذه المواصفة من الاستفادة من آراء مئات الخبراء من أكثر من 90 دولة و40 منشأة إقليمية متبنية لعديد من مجالات المسؤولية المجتمعية. وقد مثّل هؤلاء الخبراء ست مجموعات مختلفة من الأطراف المعنية وهي: المستهلكون، الحكومة، الصناعة، العمال، المنظمات غير الحكومية، ومنظمات الخدمات والدعم والبحث، مع مراعاة مبدأ التوازن بين الدول النامية والمتقدمة.

ومنذ أن بدأت التوجهات العملية عام 2001 لمنظمة الآيزو بشأن إعداد مواصفة قياسية دولية في مجال المسؤولية الاجتماعية إلى أن أُقرت كمسودة دولية للمواصفة في أيار (مايو) 2009 في قمة كويبك في كندا بعد جهود مضنية ومتواصلة مع مختلف دول العالم التي لها حق التصويت، وإذا تمت الموافقة النهائية عليها فسيتم اعتمادها كمواصفة دولية في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الجاري 2010.

ثالثاً: بنود المواصفة

تتكون مسودة المواصفة العالمية ISO26000 من تمهيد ومقدمة وسبعة بنود وعدة ملاحق، قد كتبت بلغة مبسطة وعدد أوراق النسخة الإنجليزية 109 صفحات. وسأذكر لك عزيزي القارئ هنا مختصرا لأهم ما ذكر في البنود على النحو التالي:

البند (1) المجال: هذا البند يقوم بتعريف وتحديد المحتوى الذي تغطيه هذه المواصفة، ويحدد القيود أو الاستثناءات. كما أنه ينصُّ على أن هذه المواصفة الدولية تقدم دليلا إرشاديا لجميع أنواع المنشآت بغض النظر عن حجمها أو موقعها.

البند 2 التعريفات: هذا البند يحدد ويقدم معاني المصطلحات الرئيسية المستخدمة في هذه المواصفة باعتبار أنها أساسية ومهمة لفهم المسؤولية المجتمعية. هذا وبلغ عدد التعريفات 22 مصطلحاً، أهمها مصطلحان مهمان ارتكزت عليهما المواصفة وهما:

تعريف المسؤولية المجتمعية Social Responsibility التي يقصد بها مسؤولية المنشأة تجاه تأثيرات قراراتها وأنشطتها في المجتمع والبيئة, وذلك من خلال سلوك شفاف وأخلاقي من شأنه:

ـ المساهمة في التنمية المستدامة متضمنة صحة ورخاء المجتمع.

– الأخذ في الاعتبار توقعات الأطراف المعنية.

– التماشي مع القوانين المطبقة ومعايير السلوك الدولية.

– التكامل بين المنشأة وممارساتها المختلفة من خلال العلاقة بينها.

وأما التعريف الآخر فهو تعريفها أصحاب المصلحة (أو الأطراف المعنية) stakeholder ويقصد به الفرد أو المجموعة التي يكون لها مصلحة أو تكون معنية بأي نشاط أو قرار خاص بالمنشأة.

البند 3 فهم المسؤولية المجتمعية: يصف هذا البند العوامل والظروف والموضوعات المهمة التي تؤثر في تطور المسؤولية المجتمعية. وفي الوقت نفسه تصف مفهوم المسؤولية المجتمعية نفسها وتوضحه.

البند 4 مبادئ المسؤولية المجتمعية: يعطي هذا البند دليلا إرشاديا حول مبادئ المسؤولية المجتمعية التي حددتها المواصفة بسبعة مبادئ هي كالتالي:

1. القابلية للمساءلة.

2. الشفافية.

3. السلوك الأخلاقي.

4. احترام مصالح الأطراف المعنية.

5. احترام سلطة القانون.

6. احترام الأعراف الدولية للسلوك.

7. احترام حقوق الإنسان.

البند 5 الاعتراف بالمسؤولية المجتمعية وإشراك الأطراف المعنية: ويتناول هذا البند ممارستين أساسيتين في المسؤولية المجتمعية, وهما اعتراف المنشأة بمسؤوليتها المجتمعية، من خلال تحديدها تأثيراتها السلبية في المجتمع, وكذلك الطريقة التي ينبغي بها التصدي لهذه التأثيرات من أجل المساهمة في التنمية المستدامة، ويستلزم ذلك تحديد الأطراف المعنية للمنظمة (أصحاب المصلحة) وإشراكهم, الذي يعد أمرا أساسيا في موضوع المسؤولية المجتمعية لما يعود على المنظمة بالنفع والفائدة.

البند 6 دليل الموضوعات الرئيسة للمسؤولية المجتمعية: وهذا البند هو أكبر وأهم البنود في المواصفة حيث أخذ تقريباً نحو نصف حجم المواصفة. تناول فيه الموضوعات والمجالات الأساسية السبع للمسؤولية المجتمعية التي ينبغي على المنظمات التعرف عليها وعلى مجالاتها بالتفصيل لتطبيقها وتبنيها ولو بصورة مرحلية، وهي على النحو التالي:

1. الحوكمة المؤسسية.

2. حقوق الإنسان.

3. ممارسات العمال.

4. البيئة.

5. الممارسات التشغيلية العادلة مع الأفراد والمنظمات.

6. قضايا المستهلك.

7. مشاركة وتنمية المجتمع.

وكل موضوع رئيس من هذه المجالات السبعة السابقة يشتمل على عديد من قضايا المسؤولية المجتمعية. ونؤكد هنا أهمية قضية تدرج المنشآت في عملية التبني والتطبيق ووضع الأولويات التي بطبيعة الحال تختلف من منشأة إلى أخرى.

البند 7 دليل إرشادي حول تكامل المسؤولية المجتمعية في المنشأة

يوضح هذا البند إرشادات وتوجيهات مهمة في تنفيذ المسؤولية المجتمعية في منشأة ما من خلال الخطوات التالية:

o تحليل مستوى ونوعية خصائص المنظمة الأساسية تجاه المسؤولية المجتمعية بتفهمها طبيعتها وعملياتها الأساسية.

o التكامل بين ممارسات المسؤولية المجتمعية في المنشأة من خلال حوكمة المنظمة وانعكاس ذلك على استراتيجياتها وقيمها.

o التواصل الفاعل بكل الأطراف المعنية فيما يتعلق بنتائج المنظمة للمسؤولية المجتمعية من خلال توفير كل المعلومات المرتبطة بها بفاعلية وشمولية، وتقديم تقرير المسؤولية المجتمعية على فترات مناسبة.

o تعزيز المصداقية بشأن المسؤولية المجتمعية في المنظمة من خلال مشاركة الأطراف المعنية والتحاور معهم أو من خلال برامج مستقلة تتسم بالمصداقية لعملية التحقق والمراقبة والمراجعة لأداء المنشأة.

o تقييم ومراجعة أداء المنشأة وممارساتها الخاصة بالمسؤولية المجتمعية والاستمرار في عملية تحسينها.

o الاطلاع الدائم بالمتغيرات والتطورات القانونية والتشريعية التي تؤثر في المسؤولية المجتمعية والاستفادة من الفرص الجديدة لتعزيز جهودها مع الاهتمام والاستفادة من المبادرات والتشريعات المتوافقة مع مبادئ المسؤولية المجتمعية.

وأخيراً وللمعلومية, فإن منظمة الآيزو تعطي الحق للدول المتحفظة على المواصفة ببناء مواصفة محلية في مجال المسؤولية المجتمعية في ضوء مبادئها الخاصة بها استناداً إلى المواصفة العالمية آيزو 26000. ولذا فلا أقل من الاستفادة من جوانبها الإيجابية الكثيرة التي تمثل أحد الإسهامات الواعدة لنفع الإنسانية، بعد إلغاء بعض الجوانب السلبية التي تحفظت عليها كثير من الدول كتأكيد المواصفة على أن الوقود الأحفوري أي البترول هو السبب الوحيد للتلوث البيئي، وكذلك ما يسمى قضايا الجندر.

السيرة الذاتية

عضو اللجنة التنفيذية في المجلس السعودي للجودة مقيِّم معتمد لجائزة الملك عبد العزيز للجودة

awadsefari@gmail.com

Alnahj © 2016 AL NAHJ